ابن أبي الحديد

102

شرح نهج البلاغة

بغضته إلى أيام أبى بكر وعثمان وعمر ، وأشار عليه يوم بويع بالخلافة أن يقر معاوية على الشام مدة يسيرة ، فإذا خطب له بالشام وتوطأت دعوته دعاه إليه كما كان عمر وعثمان يدعوانه إليهما ، وصرفه فلم يقبل ، وكان ذلك نصيحة من عدو كاشح . واستشار الحسين عليه السلام عبد الله بن الزبير وهما بمكة في الخروج عنها ، وقصد العراق ظانا أنه ينصحه فغشه ، وقال له : لا تقم بمكة ، فليس بها من يبايعك ، ولكن دونك العراق ، فإنهم متى رأوك لم يعدلوا بك أحدا ، فخرج إلى العراق ، حتى كان من أمره ما كان . وخامس عشرها قوله : " إياك والاتكال على المنى ، فإنها بضائع النوكى " ، جمع أنوك وهو الأحمق ، من هذا أخذ أبو تمام قوله : من كان مرعى عزمه وهمومه * روض الأماني لم يزل مهزولا ( 1 ) . ومن كلامهم : ثلاثة تخلق العقل ، وهو أوضح دليل على الضعف : طول التمني ، وسرعة الجواب ، والاستغراب ( 3 ) في الضحك . وكان يقال : التمني والحلم سيان . وقال آخر : شرف الفتى ترك المنى . وسادس عشرها قوله : " العقل حفظ التجارب " من هذا أخذ المتكلمون قولهم : العقل نوعان : غريزي ، ومكتسب ، فالغريزي العلوم البديهية ، والمكتسب ما أفادته التجربة وحفظته النفس . وسابع عشرها قوله : " خير ما جربت ما وعظك " ، مثل هذا قول أفلاطون : إذا لم تعظك التجربة فلم تجرب ، بل أنت ساذج كما كنت . وثامن عشرها قوله : " بادر الفرصة قبل أن تكون غصة " ، حضر عبيد الله بن زياد عند هانئ بن عروة عائدا ، وقد كمن له مسلم بن عقيل ، وأمره أن يقتله إذا جلس

--> ( 1 ) ديوانه . ( 2 ) الاستغراب في الضحك : المبالغة فيه .